نرمین عثمان
عندما كنتُ طفلةً أدرس جغرافية العالم، كنتُ أنظر إلى خرائط الدول بشيءٍ من الغصّة. كنتُ أحسدهم جميعًا؛ لكلّ شعبٍ دولة، لكلّ أسمٍ وطن… إلا الكوردي.
الكوردي وحده كان بلا دولة، بلا وطن يُشار إليه بالإصبع على الخريطة.
منذ الصغر أقنعونا بأننا أقلية، وكأنّ هذه الكلمة قدرٌ أبدي، لا توصيف سياسي. لم يكتفوا بذلك، بل شككوا حتى في أنتمائنا.
في العراق، أتُّهم بعض الكورد بأنهم إيرانيون، فطُردوا من بيوتهم، من ذاكرتهم، من حياتهم، و قيل لنا إننا جزء من دولة عربية، دون أن نشعر يومًا أننا منتمون حقًا إليها.
وفي سوريا، حُرم الكورد من الجنسية بحجّة أنهم من تركيا، فأصبحوا غرباء في الأرض التي وُلدوا عليها.
أما في تركيا، فكان التعريف أشد قسوة: “أتراك الجبال”، وكأنّ اللغة والتاريخ و الهوية يمكن محوها بجملة.
ففي كل مكان كنا نُجبر على الانتماء إلى أوطانٍ لم تعترف بنا، وتطالبنا بالولاء، بينما تنكر وجودنا وهويتنا في الوقت نفسه.
ولا أعرف كيف ترتاح قلوبُ هذا العالم القاسية وهي تشاهد شعبًا يُحرَم من وطن، رغم أنّه يعيش على هذه الأرض منذ آلاف السنين.
كيف يمكن للضمير الإنساني أن يهدأ وهو يرى هويةً تُنكَر، وتاريخًا يُمحى، ووجودًا يُعامل وكأنه طارئ أو خطأ؟
أيُّ عدالةٍ هذه التي تسمح بأن يُسلب الإنسان حقّه الطبيعي في الانتماء، فقط لأن اسمه لا يناسب خرائط القوة و السياسة؟
كبرنا و نحن نحمل هذا التناقض القاسي:
أن تُطالَب بالانتماء، بينما يُحرَم عليك أن تكون نفسك.
أن تعيش في وطن، لكن لا تشعر أنه وطنك.
وأن تُعرَّف دائمًا من خلال نفيك، لا من خلال حقيقتك.
هذه ليست شكوى، بل شهادة.
شهادة جيلٍ كبر وهو يبحث عن وطن في الخرائط، فلم يجده، فحمله في قلبه.